الاثنين، 23 نوفمبر، 2009

«الإلغاء» و«الاختزال» و«التعويض»

حنظله 2من اجمل ما قرأته تعليقاٌ على مباراة السقوط العربى بين مصر والجزائر مقال للدكتور / غازى صلاح الدين مستشار الرئيس السودانى وهو ليس غريب على شخصيه بحجم الدكتور غازى فقد تابعته عبر حواراته ومقالاته الخاصه بمعالجتة لقضية دارفور ولنبدأ اولاٌ بعرض المقال المنشور بجريدة الشرق الاوسط
كرة القدم والوقوع في مصيدة التفاهة 
  كان عمي سليمان العتباني، رحمه الله، من لاعبي نادي المريخ السوداني ومؤسسيه وثاني رئيس له في عشرينات القرن الماضي، فكان منطقيا أن كل جيله في أسرتنا، بمن فيهم والدي، كانوا من المتعصبين لنادي المريخ.
ما لم يكن منطقيا هو أن معظم الجيل التالي في الأسرة، أبناء ذلك الجيل المؤسس لنادي المريخ، أصبحوا من غلاة مشجعي نادي الهلال، الخصم التقليدي لفريق المريخ. والآن يبدو، لمزيد من العجب، أن أبناء الأسرة من الجيل الثالث الراهن قرروا العودة إلى الجذور المريخية.
لم تشغلني هذه المعضلة كثيرا فقد حررتني التجارب ـ وقبل ذلك المبادئ ـ من العصبيات الصغيرة، لكنني من باب التفكه الفكري ظللت أحاول العثور على تفسير منطقي لظاهرة العصبية الكروية، كيف تنشأ، وكيف تتوارث ـ أو لا تتوارث حين ينبغي أن تتوارث ـ وكيف تطبق تجلياتها على بعض الناس وتملي عليهم حياتهم، حتى أنها قد تؤدي بعض أحيان إلى حروب بين الدول. ولم يهدني تفكري إلى إجابات منطقية، فزهدت في البحث، وزهدت في متابعة مباريات كرة القدم، حتى كانت الأربعاء الماضية ليلة المباراة الأخيرة بين مصر والجزائر في الخرطوم. وما شدني يومئذ إلى الحدث وألزمني منزلي رغم مشاغلي هو أن المباراة بملابساتها الكثيرة جاوزت أن تكون حدثا رياضيا محضا إلى أن تصبح حدثا سياسيا من الطراز الأول، ومهددا لكل الأسس التي بنى عليها الحالمون من أسلافنا نظرية الأمن القومي العربي.
ومن أراد أن يشخص بعض أدواء الحياة العامة في البلاد العربية من خلال متابعة تلك المباراة سيكتشف متلازمة ثلاثية علاماتها: «الإلغاء» و«الاختزال» و«التعويض»، وهي علامات مشهورة في أدواء السيكولوجي الفردي أو الجمعي. وما ينبغي التنبيه له هو أن هذه الأدواء لا علاقة لها بكرة القدم من حيث هي رياضة محترمة، لكنها ذات علاقة بالكيفية التي تعبر بها المجتمعات عن أزماتها.
أما الإلغاء فقد تمثل في أن عمليات التعبئة التي صاحبت المباراة قد مسحت، أثناء المباراة على الأقل، تاريخ أمة عظيمة كمصر من ذاكرة النظارة أمثالنا؛ ففي لحظة لاوعي غاب عن عقول المتحمسين لنصرة فريقهم بأي ثمن المصلحون والساسة من الإمام محمد عبده على سبيل المثال لا الحصر، إلى سعد زغلول، ومن حسن البنا إلى عبد الناصر. أما علماء مصر الذين زحموا التاريخ بمناكبهم أمثال الليث بن سعد وابن منظور وجلال الدين السيوطي وطه حسين ومن في حكمهم من الأفذاذ فقد انزووا في أجواء المباراة إلى ركن قصي.
وبالمقابل غابت من نواظر المتحمسين من الطرف الآخر إسهامات الجزائريين في التاريخ وشدة بأسهم في مجالدة المستعمرين التي ألهمت الشعوب المستضعفة وقدمت لها ملحمة عظيمة من ملاحم الجهاد ضد المستعمر. هكذا غاب، أو غيب، الأمير عبد القادر الجزائري، وابن باديس، والمجاهدة فاطمة نسومر، والمجاهدة جميلة بوحريد. وبالطبع اختفى عن ناظرينا تماما علماء ومفكرون كمالك بن نبي. أما المليون شهيد فلم يعودوا أكثر من إحصائية في مكتب سجلات الوفاة. ولم يسعف العلاقات المصرية ـ الجزائرية أن قلعة بني سلامة التي كتب فيها ابن خلدون مقدمته ثم هاجر ليستقر بالقاهرة ويتولى القضاء المالكي بها ثم ليتوفى بها، هي في ولاية تيارت غرب العاصمة الجزائرية.
هكذا من خلال عملية الإلغاء المرضي غاب كل ما يجب أن يكون حاضرا في العلاقة المصرية ـ الجزائرية وحضر كل ما يجب أن يكون غائبا.
وباجتياز مرحلة «الإلغاء» بنجاح أصبحنا مهيئين للعملية التالية وهي «الاختزال». والاختزال كما في رواية جورج أورويل (1984) حيلة يلجأ إليها «الأخ الأكبر»* من أجل برمجة أعضاء المجتمع ومغنطتهم حتى يفقدوا الإرادة والقدرة على التفكير والاختيار الحر. وهذه البرمجة التي تقوم بها «وزارة الحقيقة» في دولة «أوشينيا» تعتمد في جانب منها على إلغاء المفردات اللغوية والاكتفاء بمفردة واحدة ما أمكن، حتى تختفي الظلال الدقيقة للمعاني وتتبسط المضامين إلى درجة الابتذال. وفي مباراة مصر والجزائر جرت عملية برمجة اختزلت الدولتين إلى لونين أحدهما أحمر والآخر أخضر. فمصر، بغض النظر عن رمزيتها وإسهامها، هي محض لون أحمر، والجزائر، لا يهم تفردها التاريخي وامتيازها، هي فقط لون أخضر. والأمر باختصار أمر حرب، والحرب في صميمها بين طائفتين مختزلتين في لونين، وأنت بالخيار، ويا لضخامة الخيار، بين أن تؤيد الأخضر أو الأحمر. أما وقد اخترت، فالمعركة كما في ألعاب الحاسوب معركة كسر عظم ولا مخالفات فيها.
الضلع الثالث من المتلازمة المرضية هو «التعويض» الذي يصفه علماء السيكولوجي بأنه استراتيجية يتبعها الفرد أو الجماعة من أجل مغالبة عقدة نقص ناجمة عن فشل في الوفاء بالمهمة الأصلية التي ينبغي أداؤها. فالطالب الذي يفشل باستمرار في دروسه قد يلجأ إلى استراتيجية عدوانية منظمة ضد أقرانه لإبراز تميزه العضلي. وما من شك في أن عمليات الشحن والتفريغ التي لازمت المباراة وصاحبتها قبلا وبعدا واشتركت فيها الأمة العربية، إن لم يكن مباشرة فمن منازلهم، كانت استراتيجية تعويض عن فشل سياسي كبير. فتعبئة كالتي جرت، وجرّت إليها عشرات الملايين من المشاهدين من كل عاصمة وقرية عربية، إضافة إلى عواصم وقرى أوروبية وآسيوية وأفريقية، هي تعبئة كانت تصلح لمواجهة حربية كبرى أو لقفزة حضارية عظمى.
إن الذي جرى لم يكن مشكلة تخص الحكومات وحدها، لكنه عبر عن أزمة شعوب ومجتمعات لا تدري ما أولوياتها ولا ترتيبها، دعك من أن تعي رسالتها العظيمة التي اختصت بها. وهي أزمة كان لبعض وسائل الإعلام غير المسؤول القدح المعلى في إثارتها وتزكيتها، وهي التي لعبت فيها دور «الأخ الأكبر» بامتياز.
بعض العزاء هو أن التجربة أثبتت لنا أنه على الأقل توجد طاقات جبارة في مجتمعاتنا قابلة للاستثارة، ولو أنها وجهت إلى الوجهة الصحيحة فقد تحقق النهضة المرجوة، نهضة شاملة لكل وجوه الحياة تحتل فيها الرياضة مكانها الرفيع ولا تختزل في حماسة غوغائية هي في حنظله 2حقيقتها تعبئة تعويضية عن نكسات الأمة. ومن أجل أن ننجز تلك النهضة علينا أن نجتنب الوقوع في مصيدة التفاهة والغيبوبة الجماعية، تماما كما نجتنب في لعبة الكرة أن نقع في مصيدة التسلل. وهذه ليست مهمة الحكومات وحدها، بل هي في المقام الأول مهمة المجتمعات والحركات السياسية والإصلاحية بداخلها.
* «الأخ الأكبر» في رواية أورويل هو كناية عن دكتاتورية شاملة وعريضة يمارسها المجتمع والدولة وأجهزة عديدة مترابطة تتحكم في أفكار الناس ومعتقداتهم وتعبيراتهم.. وهي اليوم أشبه عندي بما تمارسه بعض أجهزة الإعلام"

اعتقد ان الرساله وصلت

هناك تعليقان (2):

حسن ارابيسك يقول...

الصديق العزيز واحد من الناس
أولا كل التحية والاحترام لشخصك الرائع والمتميز في تدويناته ومقالاته

لن أنسى أنني فوجئت بتدوينات سابقة فاتتني لكنني منذ أكثر من أسبوع علقت على البعض منها أما التدوينة السابقة وتدوينة ترعة القرية القديمة لم أستطع للأسف بسبب انني لم أستطع الكتابه داخل الصندوق الخاص بالتعليق ولا اعرف السبب
لأنني أحببت أن اعبر عن إعجابي بتدوينة ترعة القرية القديمة والرائعة على حد كبير وهي وتدوينة تعتبر إمتداد لتدوينة علي أبو خليل وبالتالي الإثنان يمثلن بالنسبة لي حالة إنسانية رائعة وفوق الوصف

أما تدوينتك الأخيرة وما نحن بصددها مقال للدكتور / غازى صلاح الدين مستشار الرئيس السودانى
بالطبع الرجل غني عن التعريف والسودان غني بمفكريه ومثقفيه
لكنني أختلفت معه بالطبع في وجهة النظر الخاصة بثلاثيته التي وضع طبقاتها الثلاث فوق مبارة كرة قدم رغم شهادته انها لاتمت بعلاقة لكرة القدم ولكنه للأسف كما ذكرت بناها فوق مبارة لكرة القدم
فعندما تصاعدت الأحداث لم يكن رد الفعل ياسيدي الفاضل سببه المبارة ولا حتى نتيجتها وهنا حدث الخلط المتعمد أو غير المتعمد من كاتبنا الفاضل
إن جاز لنا التعبير حتى لانظلم الرجل ولا نظلم أنفسنا معه
فلايصح على الإطلاق أن ندعي أن مباراة لكرة القدم أثناء إقامتها أو بعدها بكل تداعياتها أنها مسحت تاريخ أمة عظيمة مثل مصر وإلا لكانت نكسة 67 بكل أبعادها ومرارتها جبت ما قبلها من تاريخ مصر وعظمته.. الحقيقة كلام مغلوط ولا يستوعبه عاقل أو مجنون، متعلم أو أمي، مثقف أو صعلوك
ويخرج الرجل في النهاية بأنه سقوط عربي
أي سقوط ياسيدي الفاضل وأي قومية وأي وهم هذا الذي لايجتر غير الأخضر واليابس على أرض مصر فقط
وعندما تعاملت مصر مع الأزمة التي تعي أبعادها بكل دقة تعاملت معها برقي لأنها كانت تعي جيداًأن وراءها تاريخ عريق ممتد جذوره في البعيد البعيد
أما إخوانا في الجزائر فللأسف لم يعي أحداً منهم هذامثلنا لذلك صح أن تقول أنهم أساءوا إلى أنفسهم وإلى تاريخهم ولن تستطيع أن تلومهم في هذا لأن من يفقد هويته يفقد تاريخه لذلك لن تجد منهم من يبكي عليه
هناك آمم ياسيدي الفاضل لايسقط منها تاريخها العظيم حتى ولو بعد إنكسار في حرب عظيمة وقاسية وليست مبارة كرة قدم

تحياتي
حسن أرابيسك

عصـــــــــــام الــــديــن يقول...

الرائع حسن ارابيسك
اسف لو اتاخرت فى الرد
اولا ان سعيد جدا انى نلت انا ومدونتى هذا المدح من شخصك الكريم والذى اعتبره وسام على صدر مدونتى
اعترف انى كتبت رد على تعليقك ولكنه كبر منى وتضخم حتى صار تدوينه خاصه
- بلا رتوش او تجميل للكلمات- نشرتها قبل انت ارد لعلها تفسر ما يجول فى خاطرى وتشرح وجهة نظرى
كل الحب والاحترام